الزمن في القانون
تمهيد فلسفي:
وحتى لا يتحول التمهيد إلى تعقيد سنقتصر على المختصر المفيد فنقول أن الزمن ليس له وجود حقيقي وإنما وجود اعتباري منتزع – مستخلص - فلا توجد مادة اسمها الزمن وكذلك ليس هو بعرض ولا جوهر فالجوهر هو قائم بذاته والعرض هو الذي يعرض أو قل هو الذي يصيب الجوهر ومثال ذلك اللون وهو عرض يصيب جوهرا أي جسما فيجعل له لونا معينا
وعليه فالزمن هو مجرد مفهوم انتزاعي لا يوجد بصورة مستقلة وإنما يكون له وجود اعتباري حال كونه متلبسا بالأحداث والوقائع ولو فرضنا – مجرد افتراض- أن هناك شي ما في مكان ما ليس فيه ليل ولا نهار ولا حركة ولا هواء ولا فلكا يسير ولا موج يهدر ..فلن يكون هناك أيضا زمن
والزمن يستخدم كجهاز أو كآلة افتراضية لقياس المدى بين حدثين فمثلا استخدمت الآلة الافتراضية المسماة بالزمن لقياس المدى الذي احتجت إليه منذ أن بدأت الدراسة الجامعية و حتى نلت الشهادة الجامعية ولا يتوهم احد بان قياس المدى والزمن هما شيء واحد فلو فرضنا أنه بسبب خلل في النظام الكوني أصبحت الأرض تدور أبطأ أو أسرع من سرعتها الحالية حول الشمس فسوف يكون اليوم طويلا أو قصيرا عن ما هو موجود حاليا ورغم ذلك سيبقى الزمن كما هو 24 ساعة بالمعدلات الحالية بل وحتى لا تبتعد الفكرة بعيداً عن الذهن نضرب مثالا متحققا وهو أن ال24ساعة المتعارفة والتي هي قياس مدى لليوم تتغير تغيرا مثيرا حين نقرب من طرف الكرة الأرضية ففي دولة فلندا يكون اليوم عبارة عن ستة اشهر نهار وستة اشهر ليلا أي أن نصف اليوم يكون ستة اشهر(نهار) ونصه الآخر ستة اشهر (ليل) فنصف اليوم الذي متوسطه 12 ساعة عندنا يكون ستة اشهر هناك وهذا المثل للتدليل عن أن لا وجود حقيقي و مستقل للزمن مجردا عن الأحداث و الوقائع فانه إذا فات لا يعود و لا يمكن تداركه لان الأحداث التي وقعت لا تعود ويمكن تداركها من جهة و لان الزمن لا يوجد الا متلبسا بها و لا يمكن فصله عنها حيث انه و رغم انه مجرد آلة حساب أو قياس للمدى لكنه يرتبط بكل شيء في الحياة و لذلك فانه من المواضيع الحساسة و المهمة و ربما المعقدة أيضا.
لذلك فإن القانون: حينما يتعرض للزمن -كثيراً ما يحدث ذلك- فانه يفترض فيه أن يحرص على تحديده بدقة.
ففي مجال التعاقدات أو الالتزامات يتم تحديد يوم وساعة الأجل المضروب للتنفيذ أو لانتهاء مدة الاعتراض أو الخيار أو الفسخ.
ولذلك نرى بعض المؤسسات التجارية التي تتعامل مع الجمهور تذكر في عقودها انه يتوجب أن يتم الإجراء الفلاني خلال سبعة أيام عمل وذلك لتميزها عن الأيام العادية حيث أن سبعة الأيام العادية بها خمسة أيام عمل لان الجمعة والسبت أيام تعطيل بل وقد تحدث إجازات عامة مفاجئة أو أعياد مما يجعل الأجل يمتد إلى بعد انتهائها.
وفي قانون الإجراءات القضائية المدنية أو الجنائية يلتزم الخصوم بمواعيد معينة لتقديم طلباتهم أو تظلماتهم أو استئنافهم أو اعتراضهم كما يحق للمتهم أن يطلب رد الدعوى مدى فات عليها مدة زمنية معينة نص عليها القانون وتسمى مدة التقادم ومتى صادف اليوم الأخير من المدة المنصوص عليها يوم إجازة فان الأجل يمتد لليوم التالي للإجازة.
وهكذا نرى الترابط بين الوقائع والظرف الزمني الذي تقع فيه والقوانين التي تحكم تلك الوقائع من حيث وقوعها في زمن معين.
فمثلا:
- تسليم المؤجر العين المؤجرة للمستأجر بعد انتهاء مدة الإيجار لا يجزيه عن المسئولية طالما لم يسلمها في بداية مدة الإيجار.
- وكذلك تسليم المنصب بعد انتهاء مدة الولاية القانونية (رئيس موريتانيا) فلو أعيد إلى الرئاسة بعد انقضاء مدة ولايته يكون ذلك عمل غير دستوري.
- تسليم مبلغ الإيجار بعدا لمدة المنصوص عليها لتحقق الشرط الفاسخ الصريح فبمجرد فوات ميعاد التسليم يتحقق الشرط الفاسخ وتكون يد المستأجر من دون سند قانوني ويتوجب طرده من العقار المؤجر ما لم يخرج طواعية ولا يغير من هذا الوضع لو دفع الإيجار بعد ذلك.
- ضبط المتهم بعد انتهاء التفويض القانوني لمأمور الضبط القضائي او خارج الزمن المحدد له فانه يجعل إجراء القبض باطلا.
ومن ناحية الفقه الشرعي: نجد قوله تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر), (ثم أتموا الصيام إلى الليل ) و(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فنلاحظ أن من الناحيتين الشرعية والقانونية فان للأفعال أحكام تتعلق بالظرف الزمني الذي تقع فيه ومع التحليل نجد في الأمثلة المذكورة أن لكل فعل هناك مطلوبان اثنان أحدهما الفعل والمطلوب الثاني هو الزمن الملابس له أي يجب أن يحدث الفعل ويجب أن يحدث في الزمن المحدد والمخصص له لكي يحدث أثره الشرعي أو أثره القانوني فالمؤجر يجب أن يسلم العين المؤجرة مع بداية زمن الإيجار إلى نهايته ومن يفز بمنصب رسمي يجب عليه أن يزاول عمله أثناء زمن الولاية القانونية له وتسليم مبلغ الإيجار يجب أن يكون في التاريخ المحدد له ولا يتجاوزه ومن لديه أمر بتفتيش أو قبض على متهم يجب أن يقوم بذلك في الزمن المحدد له وأثناء اتصافه بصفته القانونية.
وما قد يكون مخصصا من أعمال عبادية لليلة القدر يجب أن تحدث من الغروب وحتى مطلع الفجر وليس قبل ولا بعد ذلك والصلاة يجب أن تكون أثناء الوقت المخصص لها (ولقد نص دليل آخر على وجوب القضاء خارج الوقت ولولاه لما جازت صلاة القضاء) والصيام يجب أن يكون في الإطار الزمني المحدد له من لحظة الفجر إلى لحظة الغروب ولا يجزي عدد ساعات مماثلة من زمن آخر وانجاز الموظف للعمل المطلوب منه خارج الدوام لا يعفيه من المسئولية حيث انه مطالب بانجازه أثناء الدوام إلا مع التصريح له بذلكفالزمن عنصر جوهري في جميع الأمثلة التي ذكرناها ومن ثم يحاول فقهاء القانوني تحديد نطاقه في أي واقعة أو تصرف قانوني.
ولكن يحدث أن تأتي كلمة تدل على زمن غير منضبط فهنا يتم البحث عن اقرب المعاني المحتملة وذلك في مثل الظرف المشدد لبعض الجنايات والجنح كالسرقة التي تقع ليلا.. فيثور التساؤل عن المقصود بالليل هل هو من الغروب إلى الشروق أو إلى الفجر أو هو من ساعات الليل المتأخرة حين تهدأ الأصوات وتنام الأعين فلا يشمل ساعات الليل الأولى التي تتصف بالحركة والنشاط ولقد حسم التشريع البحريني الجزائي فاعتبر الليل من الغروب إلى الشروق.. ولقد ثار تساؤل آخر وهو هل نعتبر السرقة قد حدث في زمن يعتبر ظرفا مشددا لو بدأت ليلا وتمت نهارا أو بدأت نهارا وتمت ليلا.. فذهب بعضهم إلى القول انه إذا بدأ الشروع في السرقة ليلا وتمت نهارا فإنها تحتسب ظرفا مشددا والعكس صحيح ولكننا لا نوافقه على رأيه ونؤسس لرأينا المعارض بأن السرقة لا تعتبر جريمة تامة إلا بعد أن يخرج السارق بما سرقة من حيازة مالكه وقبل ذلك لا تكون إلا شروعا في جريمة سرقة وعليه فلو بدأ السارق في جريمة السرقة ليلا فهذا معناه أن الذي حدث ليلا هو مجرد شروع وأما الذي تم نهارا فهو السرقة التامة وعليه فالصحيح برأينا أن ما يبدأ ليلا ويتم نهارا يكون بغير ظرف زمني مشدد والعكس صحيح خلافا لما ذهب إليه بعض فقهاء القانون ويعزز رأينا انه متى ما أحاطت بالنص الشكوك والغموض يؤخذ بأخف التفاسير وأكثرها رفقا بالمتهم.
وكذلك ما يتعلق بتعريف الليل في حالة عدم وجود تفسير أو تحديد له فالأصح حينها عندما يتعلق الأمر بالقانوني الجزائي أن نلحظ الحكمة من تشديد العقوبة ليلا ونأخذ في اعتبارنا المصلحة التي أراد القانون حمايتها بتشديد العقوبة فلا إشكال في أن الحكمة التي شدد العقوبة من اجلها هي أن الليل هو للهدوء والسكينة والأمن والراحة يضاف إلي ذلك أن في هجعة آخر الليل لا يصعب الحصول على المغيث عند الاستغاثة وهذا لا يوجد في حين الغروب ولا الوقت القريب منه بل يتحقق في الوقت المتأخر من الليل حين يأوي كل أو جل الناس إلى النوم وعليه فانه يتعين أن نفسر الليل في القانون الجزائي من وقت هجوع الناس للنوم إلي انبلاج ضوء الشمس ويترخص قاضي الموضوع في تحديد لحظة بدء الليل بالوصف المذكور واضعا في اعتباره اختلاف البيئات والمجتمعات والزمان والمكان فيقرر ذلك بلا رقابة عليه من محكمة التميز إذ أن المسالة مسالة واقع لا مسالة قانون ولكن يجب أن يكون ما يتوصل إليه سائغا بمعنى أن المعطيات تؤدي بطبيعتها إلى هذه النتيجة.
مما مضى يتضح أن علاقة الزمان بالقانون علاقة وثيقة لا انفصام لها
وان علاقة الزمان بالقانون تحتاج للمزيد من الدراسات المتعمقة
وانه يستحسن في كل قاعدة قانونية ذات علاقة بالزمن ان يتم تحديد نطاقها الزمني بدقة بالغة وبعبارات واضحة لا تحتمل أكثر من معنى.
بقـــلم:
المحامي الشيخ /عبد الهادي خمدن
للاتصال: 39242747
skhadi@batelco.com.bh
sk-hadi@hotmail.com
وحتى لا يتحول التمهيد إلى تعقيد سنقتصر على المختصر المفيد فنقول أن الزمن ليس له وجود حقيقي وإنما وجود اعتباري منتزع – مستخلص - فلا توجد مادة اسمها الزمن وكذلك ليس هو بعرض ولا جوهر فالجوهر هو قائم بذاته والعرض هو الذي يعرض أو قل هو الذي يصيب الجوهر ومثال ذلك اللون وهو عرض يصيب جوهرا أي جسما فيجعل له لونا معينا
وعليه فالزمن هو مجرد مفهوم انتزاعي لا يوجد بصورة مستقلة وإنما يكون له وجود اعتباري حال كونه متلبسا بالأحداث والوقائع ولو فرضنا – مجرد افتراض- أن هناك شي ما في مكان ما ليس فيه ليل ولا نهار ولا حركة ولا هواء ولا فلكا يسير ولا موج يهدر ..فلن يكون هناك أيضا زمن
والزمن يستخدم كجهاز أو كآلة افتراضية لقياس المدى بين حدثين فمثلا استخدمت الآلة الافتراضية المسماة بالزمن لقياس المدى الذي احتجت إليه منذ أن بدأت الدراسة الجامعية و حتى نلت الشهادة الجامعية ولا يتوهم احد بان قياس المدى والزمن هما شيء واحد فلو فرضنا أنه بسبب خلل في النظام الكوني أصبحت الأرض تدور أبطأ أو أسرع من سرعتها الحالية حول الشمس فسوف يكون اليوم طويلا أو قصيرا عن ما هو موجود حاليا ورغم ذلك سيبقى الزمن كما هو 24 ساعة بالمعدلات الحالية بل وحتى لا تبتعد الفكرة بعيداً عن الذهن نضرب مثالا متحققا وهو أن ال24ساعة المتعارفة والتي هي قياس مدى لليوم تتغير تغيرا مثيرا حين نقرب من طرف الكرة الأرضية ففي دولة فلندا يكون اليوم عبارة عن ستة اشهر نهار وستة اشهر ليلا أي أن نصف اليوم يكون ستة اشهر(نهار) ونصه الآخر ستة اشهر (ليل) فنصف اليوم الذي متوسطه 12 ساعة عندنا يكون ستة اشهر هناك وهذا المثل للتدليل عن أن لا وجود حقيقي و مستقل للزمن مجردا عن الأحداث و الوقائع فانه إذا فات لا يعود و لا يمكن تداركه لان الأحداث التي وقعت لا تعود ويمكن تداركها من جهة و لان الزمن لا يوجد الا متلبسا بها و لا يمكن فصله عنها حيث انه و رغم انه مجرد آلة حساب أو قياس للمدى لكنه يرتبط بكل شيء في الحياة و لذلك فانه من المواضيع الحساسة و المهمة و ربما المعقدة أيضا.
لذلك فإن القانون: حينما يتعرض للزمن -كثيراً ما يحدث ذلك- فانه يفترض فيه أن يحرص على تحديده بدقة.
ففي مجال التعاقدات أو الالتزامات يتم تحديد يوم وساعة الأجل المضروب للتنفيذ أو لانتهاء مدة الاعتراض أو الخيار أو الفسخ.
ولذلك نرى بعض المؤسسات التجارية التي تتعامل مع الجمهور تذكر في عقودها انه يتوجب أن يتم الإجراء الفلاني خلال سبعة أيام عمل وذلك لتميزها عن الأيام العادية حيث أن سبعة الأيام العادية بها خمسة أيام عمل لان الجمعة والسبت أيام تعطيل بل وقد تحدث إجازات عامة مفاجئة أو أعياد مما يجعل الأجل يمتد إلى بعد انتهائها.
وفي قانون الإجراءات القضائية المدنية أو الجنائية يلتزم الخصوم بمواعيد معينة لتقديم طلباتهم أو تظلماتهم أو استئنافهم أو اعتراضهم كما يحق للمتهم أن يطلب رد الدعوى مدى فات عليها مدة زمنية معينة نص عليها القانون وتسمى مدة التقادم ومتى صادف اليوم الأخير من المدة المنصوص عليها يوم إجازة فان الأجل يمتد لليوم التالي للإجازة.
وهكذا نرى الترابط بين الوقائع والظرف الزمني الذي تقع فيه والقوانين التي تحكم تلك الوقائع من حيث وقوعها في زمن معين.
فمثلا:
- تسليم المؤجر العين المؤجرة للمستأجر بعد انتهاء مدة الإيجار لا يجزيه عن المسئولية طالما لم يسلمها في بداية مدة الإيجار.
- وكذلك تسليم المنصب بعد انتهاء مدة الولاية القانونية (رئيس موريتانيا) فلو أعيد إلى الرئاسة بعد انقضاء مدة ولايته يكون ذلك عمل غير دستوري.
- تسليم مبلغ الإيجار بعدا لمدة المنصوص عليها لتحقق الشرط الفاسخ الصريح فبمجرد فوات ميعاد التسليم يتحقق الشرط الفاسخ وتكون يد المستأجر من دون سند قانوني ويتوجب طرده من العقار المؤجر ما لم يخرج طواعية ولا يغير من هذا الوضع لو دفع الإيجار بعد ذلك.
- ضبط المتهم بعد انتهاء التفويض القانوني لمأمور الضبط القضائي او خارج الزمن المحدد له فانه يجعل إجراء القبض باطلا.
ومن ناحية الفقه الشرعي: نجد قوله تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر), (ثم أتموا الصيام إلى الليل ) و(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فنلاحظ أن من الناحيتين الشرعية والقانونية فان للأفعال أحكام تتعلق بالظرف الزمني الذي تقع فيه ومع التحليل نجد في الأمثلة المذكورة أن لكل فعل هناك مطلوبان اثنان أحدهما الفعل والمطلوب الثاني هو الزمن الملابس له أي يجب أن يحدث الفعل ويجب أن يحدث في الزمن المحدد والمخصص له لكي يحدث أثره الشرعي أو أثره القانوني فالمؤجر يجب أن يسلم العين المؤجرة مع بداية زمن الإيجار إلى نهايته ومن يفز بمنصب رسمي يجب عليه أن يزاول عمله أثناء زمن الولاية القانونية له وتسليم مبلغ الإيجار يجب أن يكون في التاريخ المحدد له ولا يتجاوزه ومن لديه أمر بتفتيش أو قبض على متهم يجب أن يقوم بذلك في الزمن المحدد له وأثناء اتصافه بصفته القانونية.
وما قد يكون مخصصا من أعمال عبادية لليلة القدر يجب أن تحدث من الغروب وحتى مطلع الفجر وليس قبل ولا بعد ذلك والصلاة يجب أن تكون أثناء الوقت المخصص لها (ولقد نص دليل آخر على وجوب القضاء خارج الوقت ولولاه لما جازت صلاة القضاء) والصيام يجب أن يكون في الإطار الزمني المحدد له من لحظة الفجر إلى لحظة الغروب ولا يجزي عدد ساعات مماثلة من زمن آخر وانجاز الموظف للعمل المطلوب منه خارج الدوام لا يعفيه من المسئولية حيث انه مطالب بانجازه أثناء الدوام إلا مع التصريح له بذلكفالزمن عنصر جوهري في جميع الأمثلة التي ذكرناها ومن ثم يحاول فقهاء القانوني تحديد نطاقه في أي واقعة أو تصرف قانوني.
ولكن يحدث أن تأتي كلمة تدل على زمن غير منضبط فهنا يتم البحث عن اقرب المعاني المحتملة وذلك في مثل الظرف المشدد لبعض الجنايات والجنح كالسرقة التي تقع ليلا.. فيثور التساؤل عن المقصود بالليل هل هو من الغروب إلى الشروق أو إلى الفجر أو هو من ساعات الليل المتأخرة حين تهدأ الأصوات وتنام الأعين فلا يشمل ساعات الليل الأولى التي تتصف بالحركة والنشاط ولقد حسم التشريع البحريني الجزائي فاعتبر الليل من الغروب إلى الشروق.. ولقد ثار تساؤل آخر وهو هل نعتبر السرقة قد حدث في زمن يعتبر ظرفا مشددا لو بدأت ليلا وتمت نهارا أو بدأت نهارا وتمت ليلا.. فذهب بعضهم إلى القول انه إذا بدأ الشروع في السرقة ليلا وتمت نهارا فإنها تحتسب ظرفا مشددا والعكس صحيح ولكننا لا نوافقه على رأيه ونؤسس لرأينا المعارض بأن السرقة لا تعتبر جريمة تامة إلا بعد أن يخرج السارق بما سرقة من حيازة مالكه وقبل ذلك لا تكون إلا شروعا في جريمة سرقة وعليه فلو بدأ السارق في جريمة السرقة ليلا فهذا معناه أن الذي حدث ليلا هو مجرد شروع وأما الذي تم نهارا فهو السرقة التامة وعليه فالصحيح برأينا أن ما يبدأ ليلا ويتم نهارا يكون بغير ظرف زمني مشدد والعكس صحيح خلافا لما ذهب إليه بعض فقهاء القانون ويعزز رأينا انه متى ما أحاطت بالنص الشكوك والغموض يؤخذ بأخف التفاسير وأكثرها رفقا بالمتهم.
وكذلك ما يتعلق بتعريف الليل في حالة عدم وجود تفسير أو تحديد له فالأصح حينها عندما يتعلق الأمر بالقانوني الجزائي أن نلحظ الحكمة من تشديد العقوبة ليلا ونأخذ في اعتبارنا المصلحة التي أراد القانون حمايتها بتشديد العقوبة فلا إشكال في أن الحكمة التي شدد العقوبة من اجلها هي أن الليل هو للهدوء والسكينة والأمن والراحة يضاف إلي ذلك أن في هجعة آخر الليل لا يصعب الحصول على المغيث عند الاستغاثة وهذا لا يوجد في حين الغروب ولا الوقت القريب منه بل يتحقق في الوقت المتأخر من الليل حين يأوي كل أو جل الناس إلى النوم وعليه فانه يتعين أن نفسر الليل في القانون الجزائي من وقت هجوع الناس للنوم إلي انبلاج ضوء الشمس ويترخص قاضي الموضوع في تحديد لحظة بدء الليل بالوصف المذكور واضعا في اعتباره اختلاف البيئات والمجتمعات والزمان والمكان فيقرر ذلك بلا رقابة عليه من محكمة التميز إذ أن المسالة مسالة واقع لا مسالة قانون ولكن يجب أن يكون ما يتوصل إليه سائغا بمعنى أن المعطيات تؤدي بطبيعتها إلى هذه النتيجة.
مما مضى يتضح أن علاقة الزمان بالقانون علاقة وثيقة لا انفصام لها
وان علاقة الزمان بالقانون تحتاج للمزيد من الدراسات المتعمقة
وانه يستحسن في كل قاعدة قانونية ذات علاقة بالزمن ان يتم تحديد نطاقها الزمني بدقة بالغة وبعبارات واضحة لا تحتمل أكثر من معنى.
بقـــلم:
المحامي الشيخ /عبد الهادي خمدن
للاتصال: 39242747
skhadi@batelco.com.bh
sk-hadi@hotmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق