
تناسق النظام القانوني
1- وضعت الأنظمة و القوانين من اجل تيسير حياة الناس و تسهيل تعاملاتهم و تحديد دور كل طرف و ما له من حقوق و ما عليه من واجبات
2- و مع أن وضع القوانين قد بدء منذ زمن سحيق جداً لكنه لا يكاد ينتهي ففي كل فترة تظهر الحاجة إلى قوانين جديدة مبتدئة أو قوانين بديلة تحل محل القوانين الموجودة
3- و من اجل تحقيق الغرض الذي من اجله وضعت القوانين فقد تم تصنيفها إلى قانون مدني- قانون جزائي( من الخطأ أن تقول قانون جنائي )- قانون العمل – قانون إداري – قانون دستوري... الخ
4- و لقد تم إدراج كل القواعد القانونية المتجانسة تحت مسمي قانون واحد فعقوبات مخالفات القانون أدرجت في القانون الجزائي و القواعد المنظمة للمعاملات أُدرجت في القانون المدني و عقود الأعمال وعلاقات العمل وما يتعلق بهما أدرج في قانون العمل...و هكذا دواليك
5- و لقد اعتبر أن القانون المدني (هو الشريعة العامة) بمعنى انه هو الأصل و أن أي نقص في أي مواد أي قانون يتم الرجوع إلى مواد القانون المدني لتعويضها
6- و من مقتضيات اعتبار أن القانون المدني هو الشريعة العامة أن يحكم بتقديمه على غيره من القوانين في حال التعرض بين موادهما لكن المعمول به هو أن لكل قانون البيئة الخاصة به و لا يتعداها إلى غيره
7- و ساقوا لذلك حججا منها أن كل قانون تم ملاحظة حاجات معينة لتلبية متطلباتها و تم مراعاة مصالح معينة يهدف ذلك القانون إلى حمايتها
8- لكن هذا الطرح الذي يدعم واقعنا القانوني لا نراه صوابا لا من حيث تحديد الأولويات و من حيث الذوق المنطقي و أفرز حالات صعبة الهضم و تستعصي على القبول
و سنذكر أمثلة قليلة لمجرد التوضيح لا أكثر
أ- مثالاً لذلك:تحديد المسئولية المدنية و الجزائية..فمن ناحية يتم تحديد سن الخمسة عشر عاما بوصفة سن المحاسبة الجزائية و يعتبر مسئولا مسئولية تامة عن أفعاله التي يجرمها القانون .. و هذا يقتضي اعتباره رشيدا و مدركا لسلوكه و أفعاله بينما يعتبر سن الواحد و العشرين هو سن الرشد للتصرفات القانونية من بيع و شراء وهبة و باقي التعاقدات..فمن هو فوق ال15 و تحت ال21 نعتبره راشد جنائيا و غير راشد مدنيا و هذا لا يستقيم منطقيا فإما أن يكون راشداً و إما أن يكون قاصراً و لكن أن يجمع بين وصفين متناقضين فهذا ما لا يعقل فقد يمنع مثل هذا الشخص من إجراء معاملة بحجة انه قاصر بينما يحاسب حسابا عسيرا على مخالفة قانونية تزج به في السجن سنين طويل فعلى سبيل المثال رأيت شابا بسن ال19 محكوما ب10 سنين سجنا بنما لو كان سيشتري سيارة مستعملة سعرها 200دينار لكانوا رفضوا معاملته على أساس انه غير رشيد
ب- و مثالا آخر ..قدمت شخصية شيكاً بمبلغ من المال لطرف آخر لقاء سلعة فلما تبين عدم صلاحها أرجعتها و أوقفت سحب الشيك .. و لقد حكم عليها بالسجن بتهمة إصدار شيك و القيام بمنع صرفه بينما القانون المدني يعطيها الحق في حبس الثمن طالما إذا لم تسلم إليها السلعة و ليس من وسيلة لحبس الثمن إلا إيقاف صرف الشيك!!
ت- مثال آخر :في الوقت الذي يقرر القانون المدني بان ( الحيازة في المنقول بحسن نية سند الحائز) معناها لو كان تحت يدك ساعة أو تلفون أو ما شابه حصلت عليها بشراء أو هبة فهي تعتبر ملكا لك و لا يحق لأحد مطالبتك بها حتى و لو ظهر انه مالكها..المهم ..نجد في نفس الوقت يعتبر القانون الجزائي أن من يحوز تحت يده منقولا بحسن نية (كما لو اشتراه ) ثم يظهر بعد ذلك انه مسروق يعتبره مجرماً و معاقباً عليه إذا أبقاه تحت يده..و لقد كان العمل هكذا في فرنسا و لكن فيما بعد تم تغييره و تم تقديم قاعدة القانون المدني على قاعدة القانون الجزائي ز. و أجازوا لمن وجد ماله المسروق لدى شخص آخر قد اشتراه أن يرفع دعوى لاسترداد ماله بشرط أن يدفع لذلك الشخص المبلغ الذي اشتراه به
من هذه الأمثلة نرى أن هناك تنافرا يحدث في بعض الأحيان عندما يصدق على تصرف أو واقعة وصفان كل وصف ينتمي إلى قانون معين و ينتج عن ذلك وجود قاعدتين قانونيتين واجبتي التنفيذ و لكن واحدة تتجه شرقا و الأخرى تتجه غربا
لذلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك
9- من المهم جدا ً أن تكون هناك آلية قانونية منصوص عليها لتحديد الأولوية في مثل هذه الحالات
10- و أنا أرى أن تغليب كفة القانون المدني تكون هي الراجحة متى تعارضت مع غيرها كالمثال السابق حيث أن (ما يحمله هو ما يخوله و ما يخوله هو ما يحمله) أي أن الذي يخوله إجراء التعاقدات هو ذاته الذي يحمله المسئولية الجزائية و هو الرشد و ما يحمله المسئولية الجزائية هو الذي يخوله إجراء التعاقدات و لا فكاك بينهما
11- وأنا أرى أن القواعد الشرعية يجب تقديمها متى تعارضت مع قواعد قانونية لسموها عليها و لاتصافها بالقدسية و البقاء
12- و أيا كان الحال أو وجهات النظر التي قد تتباين بين القانونين أنفسهم فغن حل هذه الإشكاليات مهم لكي يكون النظام القانوني منسجما مع بعضه و متناسقا.. و الله الهادي إلى سبيل الرشاد
بقـــلم:
المحامي الشيخ /عبد الهادي خمدن
للاتصال: 39242747
skhadi@batelco.com.bh/ sk-hadi@hotmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق